وزارة التجارة
الصفحة الرئيسية > النشاط الدولي >  دراسات ومقالات> منظمة التجارة العالمية واستحقاقات العضوية

منظمة التجارة العالمية واستحقاقات العضوية


معالي وزير التجارة الأستاذ أسامه بن جعفر فقيه

تمهيد

بالنظر لما لهذا الموضوع من جوانب فنية وقانونية متعددة، يصعب معها في مثل هذه العجالة تغطية مختلف تلك الجوانب فسيتم التركيز على خمسة محاور رئيسة، هي:

  •   التطور التاريخي لقيام منظمة التجارة العالمية.

  •     اختصاصات المنظمة وأهدافها وآليات عملها.

  •      الانعكاسات الإيجابية والسلبية لعضوية المنظمة.

  •    الدور المستقبلي للمنظمة.

  •    تحديد الانضمام لمنظمة التجارة العالمية.

المحور الأول : التطور التاريخي لقيام منظمة التجارة العالمية

بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها عام 1945م كان التوجه آنذاك أن يقوم النظام الاقتصادي العالمي على ثلاث ركائز مؤسسية جديدة تتمثل الأولى في إنشاء صندوق النقد الدولي، ليتولى إرساء قواعد النظامين المالي والنقدي، ومعالجة عجز موازين المدفوعات. والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، ليقوم بمهمة التمويل التنموي وإعادة الأعمار. وأن يعهد إلى مؤسسة دولية ثالثة بمسؤولية تنظيم التجارة الدولية، والعمل على تحريرها.

وقد تم بالفعل إعلان تأسيس الصندوق والبنك الدوليين في مؤتمر بريتون وودز عام 1944م، كما عقد في هافانا عام 1947م مؤتمر (للتجارة والعمالة) بهدف إرساء قواعد منظمة للتجارة الدولية وتحديد اختصاصاتها..، إلا أن ميثاق هافانا لم يكتب له النجاح لعدم تصديق الولايات المتحدة الأمريكية عليه، وأستمر العمل على تطوير هذا الميثاق ليتحول إلى ما أصبح يعرف بالاتفاقية العامة للتعريفة والتجارة (الجات).

وبالرغم من نجاح اتفاقية (الجات) في تحقيق الكثير من الإنجازات، التي أسهمت في تحرير بعض قطاعات التجارة الدولية ونموها، إلا أنها ظلت قاصرة  عن التأثير في أربعة جوانب أساسية:

        ·          أولى تلك الجوانب (القيود غير الجمركية ) حيث اقتصر نجاح الجات على تخفيض نسبي لمعدلات الرسوم الجمركية.

     ·    ثاني تلك الجوانب عدم إبلاء أهمية للتجارة الدولية فيما بين البلدان النامية والصناعية، إذ بقيت معدلات الرسوم الجمركية للسلع ذات الأهمية التصديرية للبلدان النامية مرتفعة في البلدان الصناعية، إلا ما حظي منها بصفة انتقائية بمميزات نظام ألا فضليات المعمم (GSP).

     ·    ثالث تلك الجوانب يتمثل في إخراج سلع ذات أهمية تصديرية عالية للبلدان النامية من نظام الجات وإخضاعها لاتفاقية خاصة هي اتفاقية المنسوجات، تعتمد على نظام القيود الكمية، وهي وسيلة محرمة طبقاً لنظام (الجات). الأمر الذي حرم البلدان النامية الاستفادة من تحرير التجارة في سلعة تتمتع فيها بأكبر ميزة نسبية، حيث بلغ حجم تجارتها العالمية عام 1997م حوالي 450 بليون دولار.

     ·    وآخر تلك الجوانب الأربعة هو إخفاق اتفاقية الجات في تحقيق امتداد عملية التحرير إلى تجارة السلع الزراعية، ويعد هذا الموضوع من أهم الصعوبات التي هددت (جولة أوروجواي) بفشل ذريع، قبل أن تتوصل الأطراف إلى حلول توفيقية. ولعل أعظم منجزات هذه الجولة هو قيام (منظمة التجارة العالمية) التي جاءت لتلافي أوجه القصور في اتفاقية الجات، وأدراج قطاعات حيوية لأول مرة في نطاق صلاحيات هذه المنظمة الجديدة. وقد كان في طليعة ذلك: القطاع الزراعي، الذي بلغ حجم تجارته الدولية عام 1996م حوالي (1220) بليون دولار، وقطاع تجارة الخدمات الذي بلغت تجارته عام 1997م حوالي (2597) بليون دولار. إضافة إلى حقوق الملكية الفكرية، والأنشطة التجارية ذات الصلة بالاستثمار. وانطلاقا من هذه الخلفية التاريخية الموجزة وما حققته جولة أوروجواي من نتائج ومنجزات شكلت النواة والإطار المؤسسي لمنظمة التجارة العالمية، أود أن انتقل الآن إلى الحديث عن المحور الثاني لهذا الموضوع ألا وهو:

اختصاصات المنظمة وأهدافها وآليات عملها

على أثر النهاية الموفقة للمفاوضات الشاقة التي اتسمت بها جولة أوروجواي، عقد المؤتمر الوزاري (للجات) اجتماعه الأخير تحت هذا الاسم بمدينة مراكش في أبريل عام 1994م، حيث أقرت الوثيقة الختامية للمفاوضات التي اشتملت على (28) اتفاقية قطاعية غطت مختلف حقول تجارة السلع والخدمات والجوانب التجارية للاستثمار وحقوق الملكية الفكرية وتتمثل أهم منجزات جولة أوروجواي للمفاوضات التجارية الشاملة في الآتي:

  • تأكيد الالتزام بتحرير التجارة الدولية وتنظيمها، وترسيخ مبدأ المساواة في المعاملة، والالتزام بقواعد مدونة السلوك في العلاقات التجارية الدولية.

  • تخفيض الرسوم والحواجز الجمركية على التجارة بما في ذلك السلع الزراعية، والملابس، والمنسوجات بمتوسط قدرة (37%).

  • توسيع نطاق تطبيق قواعد الجات لتشمل قطاعات جديدة مثل تجارة الخدمات، وحقوق الملكية الفكرية، والجوانب التجارية للاستثمار.

  • تقوية القواعد الخاصة بمعالجة قضايا الدعم، والإعانات، والرسوم التعويضية، ومكافحة الإغراق، وإجراءات الوقاية منها.

  • تطوير نظام تسوية المنازعات التجارية، ووضع آلية فعالة لتطبيق القرارات.

  • إيجاد آلية لمراجعة السياسات التجارية الوطنية، لتحقيق مزيد من الشفافية في أنظمة التجارة الدولية.

  • دعم البنية المؤسسية للنظام التجاري المتعدد الأطراف حيث جرى الإعلان في نهاية هذا المؤتمر عن ميلاد منظمة التجارة العالمية WTO لتحل محل الاتفاقية للتعريفة والتجارة (الجات GATT) اعتباراً من أول يناير 1995م.

اختصاصات المنظمة وأهدافها:

تسعى المنظمة من خلال ممارسة هذه الصلاحيات الواسعة إلى تحقيق الأهداف الرئيسية التالية:

  • تحرير التجارة الدولية وتنظيم آلياتها ووضع مدونة لقواعد التعامل بهدف إيجاد نظام تجاري دولي أكثر عدلاً وانفتاحاً.

  • إزالة العوائق التي تحول دون تحرير المبادلات التجارية، ومكافحة جميع أشكال وصور الحماية.

  • التأكيد على مبدأ عدم التمييز في العلاقات التجارية المتعددة الأطراف، وتعزيز التجارة البنية بين الدول الأعضاء.

  • توفير مناخ دولي ملائم للمنافسة التجارية العادلة.

  • تشجيع تفق الاستثمارات وإيجاد فرص عمل جديدة.

  • تحقيق أكبر قدر من الشفافية في الأنظمة والقوانين ذات الصلة بالتجارة.

  • تسوية الخلافات التجارية في إطار هيئة تسوية المنازعات التجارية، تحت إشراف المنظمة.

  • إتاحة الفرصة لاندماج الدول النامية والأقل نمواً في النظام التجاري المتعدد الأطراف.

وإذا أردنا استقراء هذه الأهداف يتبين للباحث أن منظمة التجارة العالمية قامت لإرساء، وترسيخ الالتزام بعدد من المبادئ الأساسية في العلاقات التجارية المتعددة الأطراف: 

الأول: مبدأ معاملة الدولة الأولى بالرعاية(MFN).
وبمقتضى هذا المبدأ تلتزم كل دولة عضو تقدم أي ميزة تفضيلية في تعاملها مع دولة أخرى بمنح المعاملة التفضيلية نفسها لجميع الدول الأعضاء في المنظمة، تحقيقاً لمبدأ عدم التمييز في المعاملات التجارية الثنائية. ويستثني من ذلك المزايا المتبادلة في إطار الاتحادات الجمركية، ومناطق التجارة الحرة بالإضافة إلى المعاملات التفضيلية الممنوحة من بعض الدول المتقدمة لعدد من الدول النامية بموجب نظام الأفضليات المعمم(GSP).

الثاني: مبدأ المعاملة الوطنيةNATIONAL TREATMENT
ويقضي هذا المبدأ في جوهره بعدم التمييز بين المنتجات المحلية، والمماثلة لها من المستورد من حيث الرسوم المحلية، والضرائب والمواصفات القياسية.

الثالث: مبدأ الشفافية
ويقصد به وجوب نشر معلومات واضحة ودقيقة عن جميع القوانين، والأنظمة، واللوائح الوطنية ذات الصلة بالقطاعات المندرجة تحت مظلة منظمة التجارة العالمية.

الرابع: مبدأ حماية الصناعة المحلية الناشئة
إذ تقر المنظمة بأن الدول الأعضاء قد تحتاج إلى حماية الصناعة الناشئة ذات الحساسية في مواجهة المنافسة الحادة، ولكنها تشترط أن تكون هذه الحماية في حدودها الدنيا، وأن تقتصر على فرض الرسوم الجمركية المعقولة. كما تشترط قواعد المنظمة تخفيض التعريفة الجمركية عموماً وتحديد سقوفها العليا عند مستويات منخفضة لا يجوز زيادتها في المستقبل، مع التأكيد على ضرورة إزالة الحواجز الأخرى غير الجمركية.

آلية عمل المنظمة وأجهزتها

تتميز آلية عمل منظمة التجارة العالمية بأن جميع القرارات تتخذ من قبل الدول الأعضاء، ويتم ذلك بالإجماع أو توافق الآراء إما في إطار المجلس الوزاري، أو من قبل المجلس العمومي الذي يضم ممثلي جميع الدول الأعضاء لدي المنظمة.

كما يتولى المجلس العمومي للمنظمة إلى جانب ممارسة المهمات والصلاحيات المخولة له من قبل المجلس الوزاري دور هيئتين رئيستين في هيكل المنظمة هما:

  • هيئة حسم المنازعات التجارية.

  • هيئة مراجعة السياسات التجارية الوطنية للدول الأعضاء وتقييم آثارها على النظام التجاري العالمي.

وينبثق عن المجلس العمومي أيضاً ثلاث مجالس متخصصة هي:

مجلس تجارة السلع، مجلس تجارة الخدمات، ومجلس حقوق الملكية الفكرية.

وتشرف هذه المجالس على تنفيذ الاتفاقيات المبرمة بشأن تجارة السلع والخدمات وحقوق الملكية الفكرية، وعضوية هذه المجالس مفتوحة لجميع الأعضاء.

كما أنشأ المؤتمر الوزاري ثلاث لجان فرعية ترفع تقريرها إلى المجلس العمومي هي:

  • لجنة التجارة والتنمية وتعني بالمسائل ذات الصلة بالدول النامية والدول الأقل نمواً.

  • لجنة ميزان المدفوعات: ويتم في إطارها التشاور بين أعضاء المنظمة حول الإجراءات التقييدية للاستيراد التي تتخذها بعض الدول نتيجة لصعوبات طارئة في موازيين مدفوعاتها.

  • لجنة الميزانية: وتخص بقضايا التمويل والإدارة في المنظمة.

  • وأخيراً الأمانة العامة للمنظمة وتتألف من المدير العام الذي يعينه المؤتمر الوزاري والجهاز التنفيذ للأمانة.

الانعكاسات الإيجابية والسلبية لعضوية المنظمة

من الطبيعي أن يختلف تأثير الاتفاقيات المنبثقة عن جولة الأوروجواي، باختلاف الدول، والمجموعات الاقتصادية، من حيث مدى انفتاحها على الأسواق العالمية، ودرجة اندماجها في الاقتصاد الدولي، والتركيبة السلعية لصادراتها، ووارداتها، وما تتمتع به من مزايا نسبية طبيعية، وقدرات تنافسية.

وجدير بالتنويه أن الأثر الكلي لاتفاقيات منظمة التجارة العالمية على الدول الأعضاء يعتمد كثيرا على طبيعة السياسات الاقتصادية الوطنية،

ومدى نجاحها ومواكبتها لمتطلبات هذه الحقبة الجديدة. وتعد الاتفاقيات المنبثقة عن جولة الأورجواي بمثابة التزام شمولي واحد ( SINGLIE UNDER-TAKIHNG ) يطلب من جميع الدول الأعضاء في المنظمة اعتماد تشريعات وأنظمة وطنية لتطبيق تلك القواعد، ومن الطبيعي أن تكون هناك مزايا منتظرة من هذا التطبيق وآثار وصعوبات مترتبة على القبول الفوري لجميع الالتزامات التي شملت هذه الاتفاقيات أو معظمها، إلا أنه من المتعذر حصر المزايا المنتظرة والانعكاسات السلبية على الدول الأعضاء، وخاصة النامية منها. ومع ذلك يمكن استخلاص عدد من هذه المزايا انطلاقاً من أهداف المنظمة، والتطبيق العملي لقواعدها حتى الآن وما حققته من إيجابيات لأعضائها. ويتمثل ذلك فيما يلي:

أولاً: الجوانب الإيجابية للعضوية:

1.    إن تحرير التجارة الدولية سوف يؤدي إلى انتعاش الاقتصاد العالمي، ومن شأن زيادة النمو الاقتصادي ارتفاع الطلب على مختلف أنواع السلع والخدمات الأمر الذي يؤدي إلى انتعاش الاقتصاديات ونموها.

وفي هذا السياق تشير تقديرات منظمة التجارة العالمية إلى أن التطبيق الكامل لاتفاقيات الجات بحلول عام 2005م سوف يؤدي إلى زيادة حجم التجارة الدولية بما قيمته (500) بليون دولار سنوياً. مع العلم بأن حجم المبادلات التجارية عام 1997م بلغ (13.3) تريليون دولار.

2.         زيادة فرص النفاذ للأسواق الخارجية نتيجة لإلغاء الرسوم أو تخفيضها، وإزالة العوائق التي تواجه صادرات الدولة النامية.

3.    تكثيف الاستفادة من المزايا النسبية التي يتمتع بها الكثير البلدان النامية في العديد من السلع كالمنسوجات، والملابس، والمنتجات الزراعية والبتروكيماويات.

4.    تحكم العلاقات بين الدول الأعضاء في المنظمة مدونة لقواعد السلوك في التجارة الدولية، كما يجري حسم المنازعات التجارية من خلال آلية فعالة ذات قرارات ملزمة لجميع الأعضاء.

5.         ضمان عدم التمييز في معاملة السلع المتبادلة فيما بين الدول الأعضاء في المنظمة.

6.    الاستفادة من جميع المزايا المتبادلة بين الدول الأعضاء الناجمة عن تحرير تجارة السلع والخدمات وفقاً لمبدأ الدولة الأولى بالرعاية.

7.    تؤكد قواعد المنظمة على مكافحة الإغراق في التجارة الدولية الأمر الذي يتيح فرصة أكبر لتسويق الإنتاج المحلي دون ضغوط أو منافسة غير عادلة.

8.    لجميع الدول الأعضاء حق المشاركة في مجالس المنظمة ولجانها وبالتالي إمكانية الدفاع عن مصالحها الاقتصادية والتجارة خلال جولات المفاوضات التجارية المتعددة الأطراف.

9.         يؤدي تطبيق الاتفاقية المتعلقة بالاستثمار إلي تهيئة الظروف المواتية لجذب التدفقات الاستثمارية.

10.       تسهم الاتفاقيات العامة للتجارة في الخدمات (الجات) في رفع كفاءة أداء هذا القطاع، وخفض تكاليفه لصالح المستهلك.

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن قطاع الخدمات يكتسب أهمية متزايدة في الاقتصادي الدولي حيث يمثل في المتوسط نحو (40%) من الناتج الإجمالي العالمي.

11. تتعهد الدول الأعضاء في المنظمة بتحسين كفاءة الإنتاج، وتطبيق المواصفات القياسية المعتمدة، وضمان الجودة النوعية للسلع المتبادلة، وخلوها من أنواع الغش التجاري، أو ما يضر بالصحة العامة، وسلامة الإنسان.

12. تكفل اتفاقيات المنظمة للدول الأعضاء اتخاذ التدابير الأزمة لحماية القيم الدينية، والأخلاقية، والتراث الثقافي، والصحة البشرية، والحيوانية.

ثانياً: الجوانب السلبية لعضوية المنظمة:

              1.    ارتفاع وتيرة المنافسة في الأسواق المحلية، الأمر الذي سيجعل من الصعب على الصناعات الضعيفة، أو ذات الجودة المتدنية الصمود في وجه المنافسة.

                                   2.         احتمال ارتفاع أسعار بعض المنتجات الغذائية كالحبوب، ومنتجات الألبان، نتيجة لإزالة الدعم عليها من قبل الدول المتقدمة.

              3.    إن المعاملة التفضيلية التي كانت تمنح لمنتجات بعض الدول النامية في أسواق الدول الصناعية وبخاصة المنتجات الزراعية والملابس والمنسوجات سوف تتلاشى عند اكتمال تطبيق أحكام اتفاقية الجات.

              4.    تهدف اتفاقية الجات إلى إزالة الرسوم الجمركية تدريجياً، وحيث أن بعض الدول مازالت تعتمد على حصيلة الرسوم الجمركية كمورد مهم من موارد الخزينة العامة، فأن عضوية المنظمة تحتم السعي لتطوير مصادر بديلة للإيرادات.

              5.    نتيجة لتطبيق قاعدة الالتزام الواحد SIGNLE UNDERTAKING  أصبحت جميع الدول الأعضاء أطرافاً في الاتفاقيات المنبثقة عن جولة الأورجواي، وبخاصة المدونات الملحقة بها التي كانت اختيارية آنذاك. وفي مقدمة ذلك: اتفاقيات حقوق الملكية الفكرية والتثمين الجمركي، وتراخيص الاستيراد، والقيود الفنية للتجارة (TBT). إلا أنه بالنظر للصعوبات التي عبرت عنها الدول النامية أو الأقل نمواً في القبول الفوري لجميع تلك الالتزامات أو معظمها، فقد نصت بعض اتفاقيات (المنظمة) على منح معاملة خاصة لهذه البلدان على النحو التالي:

                                    ·              منح البلدان النامية فترة انتقالية لتطبيق بعض الالتزامات.

                                    ·              إطالة الفترات الانتقالية لأقل البلدان نمواً وإعفاؤها من بعض الالتزامات وتحسين فرص نفاذ منتجاتها إلى أسواق البلدان المتقدمة.

                                    ·              توفير المساعد الفنية للدول النامية أو الأقل نمواً.

المحور الرابع : الدور المستقبلي لمنظمة التجارة العالمية

ما من شك في أن دور منظمة التجارة العالمية، وتأثيرها على الساحة الاقتصادية يزداد أهمية بصور مطردة، ويلاحظ أن هذا التأثير لم يقتصر على السياسات التجارية الكلية بل أمتد ليشمل السياسات الاقتصادية، والتجارية الوطنية للدول الأعضاء والتأكيد على وجوب تكيفها، وانسجامها مع أحكام تلك الاتفاقيات.

كما تبرز الأهمية المتزايدة لهذه المنظمة من خلال اتساع نطاق مسؤولياتها، وشمولها لقطاعات متعددة لم تكن مدرجة أصلاً ضمن الوثيقة الختامية لجولة أورجواي عام 1994م، ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك إبرام اتفاقية تقنية المعلومات (ITP) خلال الاجتماع الوزاري الأول لهذه المنظمة الجديدة الذي عقد في سنغافورة في شهر ديسمبر 1996م، واتفاق الخدمات المالية في شهر ديسمبر 1997م، بكل ما ينطوي عليه هذان القطاعان من أهمية استراتيجية وحيوية.حيث بلغ حجم التجارة العالمية في منتجات تقنية المعلومات حوالي (600) مليار دولار عام 1997م ويبلغ حجم تجارة الخدمات المالية يوميا نحو (1.2) ترليون من الدولارات .

وقد تأكد الدور المتعاظم لهذه المنظمة في الاجتماع الوزاري الثاني الذي عقد في جنيف، وذلك من خلال الخطابات الرسمية لعدد من قادة دول العالم المتقدم، التي عبرت بوضوح عن رؤى هذه الدول لما ينبغي أن تكون عليه هذه المنظمة،أو تقوم به في تشكيل ملامح النظام التجاري الدولي المتعدد الأطراف.

ويمكن إيجاز أهم معالم الدور المستقبلي لمنظمة التجارة العالمية في نطاق إطارين :

الأول : هو استكمال العمل ،والبت في الموضوعات المؤجلة مثل اتفاقية تقنية المعلومات ، واتفاقية الاتصالات الأساسية،واتفاقية الخدمات المالية،واتفاقية الاستثمار،واتفاقية المنسوجات والملابس،واتفاقية سياسات المنافسة،واتفاقية قواعد مكافحة الإغراق،وتدابير الصحة النباتية والحيوانية (SPS) والمعوقات الفنية للتجارة (TBT).

الثاني: يمثل في التوجه لبحث بعض المسائل التي لم يتم التعامل معها بعمق في الاتفاقيات الحالية ومن أبرزها مايلي :

أ‌)        التجمعات الاقتصادية الإقليمية REGIONAL ECONOMIC GROUPING

ب‌)  التجارة والبيئة TRADE AND THE ENVIROMENT حيث لا توجد من بين الاتفاقيات المنبثقة عن جولة الأورجواي أية الاتفاقيات المنبثقة عن جولة الأورجواي أية اتفاقية تتعامل مع المسائل البيئية.

ت‌)  التجارة الإلكترونية:وتشمل ممارسة أنشطة الإنتاج والإعلان والبيع والتوزيع للمنتجات (السلع والخدمات) عن طريق وسائل الاتصالات الإلكترونية وشبكات المعلومات. وقد اعتمد المؤتمر الوزاري الثاني الذي عقد مؤخراً في جنيف إعلاناً وزارياً يتضمن تكليف المجلس العمومي للمنظمة بوضع برنامج عمل شامل، لدراسة الجوانب المتصلة بالتجارة الإلكترونية، وتلتزم الدول الأعضاء في المنظمة بموجب هذا الإعلان بالاستمرار في النهج الحالي بعدم فرض رسوم جمركية على التجارة الإلكترونية.

ث‌)  حقوق العمال: ومن المتوقع أن تتضمن هذه الاتفاقية أحكاماً، ومعايير تتعلق بالنقابات العمالية، ومنع العمل القسري، وعدم استغلال الأطفال في العمل، ووضع حدود دنيا للأجور.

ج‌)     الخدمات المهنية: وتتمحور في تطوير قواعد، وأدلة تنظم ممارسة الخدمات المهنية على المستوي الدولي.

المحور الخامس : تحديات الانضمام لمنظمة التجارة العالمية

عند الحديث عن منظمة التجارة العالمية، والآثار المترتبة على تطبيق اتفاقياتها لابد من الإشارة إلى أن هناك جوانب متعددة لهذه الاتفاقيات يصعب توقع تأثيرها على الدول النامية الأعضاء لأسباب عدة أهمها:

               ·    إن آثار تطبيق هذه الاتفاقيات سوف لا تظهر على المدى القصير، لأن تطبيق بعضها سيتم بصورة تدريجية خلال الفترة الانتقالية المقررة للتكيف وسن القوانين المحلية وتعديلها.

               ·    إن المفاوضات الرامية إلى تحرير التجارة في بعض القطاعات الجديدة كالخدمات، مازالت مستمرة ولم تتبلور نتائجها بعد صورة نهائية.

               ·    إن المرحلة القادمة تنطوي على تحديات كبيرة للدول النامية عموماً، تتمثل في مدى قدرة هذه الدول على تكييف أوضاعها، وأنظمتها، وقوانينها بصور تمكنها من الوفاء بالتزامات واستحقاقات العضوية، والحفاظ في الوقت ذاته على مصالحها، وصيانة مكتسباتها، وتعظيم المردود، والفوائد من هذه العضوية.

                                    ·          كل هذه الاعتبارات وغيرها تحتم على الدول الراغبة في العضوية إعطاء هذا الأمر ما تستحقه من اهتمام وعناية للأسباب الآتية:

              1.    إن الدول الراغبة في عضوية المنظمة الآن سيجب عليها القبول الفوري، والانضمام إلى جميع الاتفاقيات المنبثقة عن (الجات 47) بالإضافة إلى معظم الاتفاقيات الجديدة أو ما يعرف باسم المبادرات القطاعية مثل تفاهم الكيماويات، واتفاقية تقنية المعلومات، والمبادرة المعروفة باسم (صفر مقابل صفر) وذلك دون أن يكون لديها فرصة كافية، أو فترة انتقالية معقولة لاستيعاب تبعات هذه الالتزامات، وإعداد العدة لتطبيق مقتضى هذه الاتفاقيات، بينما تتمتع الدول الأعضاء حالياً بحق الاختيار في الانضمام لمثل هذه المبادرات من عدمه.

              2.    إن الإخفاق في تطبيق الاتفاقية الخاصة بحماية حقوق الملكية الفكرية (TRIPS) سيغرض هذه الدول لاتخاذ إجراءات قضائية من قبل الدول الأخرى أمام هيئة تسوية المنازعات التجارية في المنظمة.

              3.    إن تخفيض الرسوم الجمركية تدريجياً خلال جولات المفاوضات المقبلة سيحتم على الدول التي تعتمد على حصيلة الرسوم الجمركية باعتبارها مصدراً لموارد الميزانية العامة، البحث عن مصادر بديلة للإيرادات.

              4.    إن نطاق الاتفاقيات الحالية للمنظمة، وأحكامها لا يشمل النفط حتى الآن، لا لكونه سلعة غير مهمة، بل لغياب معظم الدول المصدرة له عن محافل المفاوضات في السنوات الماضية، وضعف تأثير الموجود منها في إطار هذه المنظمة. ولاشك أن الوضع الراهن يشكل مواجهة حقيقية ومصدر قلق للدول التي مازالت تعتمد على النفط باعتباره مصدراً أساسياً للدخل، إذ إنه لا يوفر لها الضمان ضد أقدام بعض الدول الأعضاء على رفع السقوف الجمركية على هذه السلع الحيوية.

              5.    يكتسب قطاع الخدمات أهمية متزايدة في الاقتصاد العالمي، حيث يمثل في المتوسط نحو (40%) من الناتج الإجمالي العالمي، على (23%) من التجارة الدولية عام 1997م، ولذلك فإن تحير قطاع الخدمات (بما في ذلك النشاط المصرفي والتأمين والسياحة والاتصالات ونحوها) وسوف يشكل مواجهة حقيقية للدول النامية من حيث حدة المنافسة، وتسارع وتيرة المفاوضات الرامية إلى تحرير هذا القطاع. ولا يمكن هذا التحدي فيما إذا كانت منظمة التجارة العالمية ستنجح في تدويل قطاع الخدمات أم لا ؟ فمجريات الأمور تؤكد أن العالم يسير بخطى متسارعة في هذا الاتجاه، ولذلك فإن الأمر الذي يعنينا هو مدى استيعابنا لأهمية هذا التوجه، ومدى استعدادنا للتفاعل معه، والاستفادة منه في تطوير قطاع الخدمات في دولنا، وتحديث أنظمتنا، وقوانيننا لتحقيق أفضل مردود من هذا التوجه.

              6.    إن توفير الحماية الجمركية، وغير الجمركية، والإعانات، والدعم للأنشطة الاقتصادية من صناعية وزراعية وغيرها، لم تعد أموراً مقبولة وفقاً لأحكام المنظمة، إلا في حالات استثنائية تدعمها مبررات قوية ولفترات محدودة جداً. لذلك ينبغي العمل على وضع وتنفيذ برنامج زمني للتخلص تدريجياً من ترتيبات الدعم، والحماية هذه، وإعداد صناعاتنا ومنتجاتنا المختلفة لمواجهة المنافسة.

              7.    إن القدرة على المواجهة هذه التحديات والحصول على عضوية هذه المنظمة بأفضل الشروط الممكنة سوف يتوقف على مدى استيعابنا لأبعاد هذه التحديات، ومن ثم مدى الاستعداد لمواجهة استحقاقاتها. وفي مقدمة لذلك استقطاب وإعداد المختصين في هذا الحقل، وتأهيلهم للتفاوض، والمبادرة إلى تطوير الأنظمة، والقوانين ذات العلاقة، لتكون منسجمة مع متطلبات هذه المرحلة. وفي هذا السياق لابد من الإشارة إلى الدور المحوري للغرف التجارية، ومجالسها في رصد ومتابعة هذه التطورات المتسارعة، والحرص على الإسهام في توعية مجتمع الأعمال باستحقاقاتها، والقيام بدور بيوت الخبرة في إعداد الدراسات، لتحديد إيجابيات وسلبيات التوجه نحو العولمة، وانعكاساتها على قطاعات الأعمال، وتقديم المشورة حول سبل الاستفادة القصوى من مميزات النظام التجاري الدولي المتعدد الأطراف.

وبهذا الإدراك والاستعداد وتضافر الجهود يمكن تحقيق أفضل مردود من هذه العضوية، والحفاظ على منجزات مسيرتنا التنموية ومقومات اقتصادنا، وتوفير أسباب نموه وازدهاره. والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.

طباعة   إرسال بالبريد الالكتروني   إبداء ملاحظات على محتوى هذه الصفحة
 
 
 

 

 

 
وزارة التجارة والصناعة - الرياض 11162 - هاتف 4012222

جميع الحقوق محفوظة. وزارة التجارة والصناعة بالمملكة العربية السعودية 1429هـ - 2008 م