وزارة التجارة
تجارة
الخدمات وآثارها المتوقعة على الاقتصاد السعودي
د / فواز بن عبد الستار العلمي الحسني
وكيل الوزارة للشئون الفنية
وزارة التجارة
ورقة مقدمة في
ندوة الرؤية المستقبلية للاقتصاد السعودي التي نظمتها وزارة التخطيط
الرياض 13-17/8/1423هـ الموافق 19 – 23 أكتوبر 2002م
ضمن فعاليات هذه الندوة وفي ظل شعارها "
الرؤية المستقبلية للاقتصاد السعودي " يشرفني أن ألتقي بكم لإلقاء الضوء على قطاع
الخدمات أحد أهم القطاعات الاقتصادية في نظام التجارة العالمية وأكثر إتفاقياته
تعقيداً ضمن الأُطر القانونية التي تحكم النظام التجاري الدولي ، حيث أخذ دور تجارة
الخدمات يتنامى في السنوات الأخيرة على المستويين المحلي والدولي ، مما يوجب علينا
إعطائه مزيداً من الاهتمام والتنظيم لتوجيهه لما فيه مصلحة الاقتصاد الوطني عامة ،
ومصلحة قطاع الأعمال السعودي خاصة .
الأخـوة الكـرام :
في هذا المحفل الهام لسنا بصدد التحدث عن منجزات الماضي – رغم التطور الإيجابي
المميز في مسيرة التنمية الذي ساهم في تفعيل دور الاقتصاد الوطني – وإنما نحن هنا
من أجل وضع تصور واضح للرؤية المستقبلية من منظور اقتصادي بعيد المدى ، عميق المغذى
، ممكن المنال ، قريباً من الواقع وبعيداً عن الخيال . فقد تطور مفهوم التنمية
تطوراً جذرياً خلال العقود الخمسة الماضية حتى غدت مهمة متعددة الجوانب والأبعاد ،
ذات سياسات شمولية تعني بإصلاح الاقتصاد الكلي وتحسين نوعيـة الحياة لكل أفراد
المجتمع وبالتالي فهي مطلب ملح ومشروع لكل المجتمعات الإنسانية .
ولكي تكتسب التنمية صفة الديمومة فلا بد أن تكون قادرة على تلبية احتياجاتنا الآنية
دون التنازل عن مكاسب المنجزات المحققة أو المساس بحقوق الأجيال القادمة . ذلك لأن
التنمية الشاملة هي برنامج عمل اقتصادي وتقني واجتماعي متوازن وموصول الحلقات ، كما
أن مواجهة تحديات التنمية الشاملة وتلبية استحقاقاتها ، تتطلب وضوح الرؤية والأهداف
ومن ثم الاعتماد على القدرات الذاتيـة بالدرجـة الأولـى والعمـل الجـاد وفق
استراتيجية واضحة المعالم لبلـوغ تلـك الغايـات .
الأخـوة الكـرام :
بالرغـم مـن الأهمـية الكبـرى لقطاع الخـدمات في التجـارة الدولية ، إلا أن التجارة
في حقل السلع استحوذت على اهتمامات العالم ، وسيطـرت علـى الجـولات المتتاليـة
لمفاوضـات التجـارة الـدولية متعـددة الأطـراف ، منــذ إبـرام اتفاقـية الجـات
الأصليـة عـام 1947م ، التـي اقتصــرت علـى التجــارة فـي السلـع ، ولـم تـرد بهـا
أي إشــارة إلـى التجـارة فـي الخـدمـات ، حيـث كـان ينظــر إليهـا ، علـى أنهــا
غيـر قابلـة للاتجــار .
وخلال العقدين الماضيين اكتسبت التجـارة في الخـدمات أهميـة متزايـدة في النشاط
الاقتصـادي ، وترتـب على ذلك إدراج هـذا القطاع على جدول أعمال جولة أورجواي
لمفاوضات التجارة العالمية والتي انطلقت في عام 1986م ، حيـث أبـرم لهـا بعد سبع
سنوات من المفاوضات الشاقة اتفاقية مستقلـة أصبحـت تعـرف باتفاقيـة التجـارة في
الخـدمات ( جاتـس GATS ) ، وبـدأ تطبيقـها تحت مظلة منظمة التجارة العالمية مع
بداية عام 1995م .
وقد أدى الاتفاق على قواعد تحرير تجارة الخدمات بموجب هذه الاتفاقية ، إضافة إلى
التطور المتسارع في التقنية والاتصالات ، إلى سرعة نمو هذا القطاع حتى أصبح يمثل في
عام 2001م نحو ( 40% ) من الناتـج العالمي الإجمالـي ، و ( 70% ) مــن إجمــالي
الناتـج المحلـى لاقتصـاد الـدول الصناعيـة و ( 50% ) من إجمالي الناتج المحلـى
لاقتصاد الدول النامية . وتمثـل التجـارة العالميـة في الخدمـات نحـو ( 23% ) من
إجمـالي حجـم التجـارة العالميـة ( سلعـاً وخدمـات ) ، حيـث بلغـت قيمـة الصـادرات
العالمية من الخـدمات في عام 2001م نحـو ( 1440 ) مليـار دولار أمريكي .

كما تشير إحصائيات منظمة التجارة العالمية الصادرة في نهاية النصف الأول من عام
2002م ، إلى أن المملكة العربية السعودية أحرزت في عام 2001م المركز (21) بين الدول
في واردات الخدمات لتصل إلى (18.3) مليار دولار . وبذلك فإن المملكة تحتل المركز
الأول بين الدول العربية والمركز الثاني – بعد تركيا – بين الدول الإسلامية في
واردات الخدمات .

ويشكل قطاع الخدمات – بالإضافة إلى قطاع السلع – الركيزة الأساسية للمفاوضات
الثنائية مع الدول الأعضاء في المنظمة وخاصة الشركاء الرئيسيين للمملكة في ميادين
تجارة السلع والخدمات ، حيث تتقدم هذه الدول بطلبات محددة بشأن تيسير النفاذ لأسواق
المملكة وتوسيع نطاقه وإزالة ما تراه معيقاً للمتاجرة وتقديم الخدمات في الحقول
المختلفة بسهولة ويسر وفقاً لمبادئ المعاملة الوطنية وحقوق الدولة الأولى بالرعاية
والشفافية والقدرة على التوقع بشأن استقرار القوانين والأنظمة التجارية
والاستثمارية وتطبيقاتها . وتستمر هذه المفاوضات الثنائية مع كل دولة على حده إلى
أن يتم التوقيع معها على اتفاق ثنائي يشتمل على جميع الأسس والالتزامات والحقوق
المتفق عليها ضمن الإطار العام لاتفاقيات منظمة التجارة العالمية وقواعدها الملزمة
.
وتغطي تجارة الخدمات جميع القطاعات فيما عدا تلك التي تقع في نطاق صلاحيات الحكومات
، مثل خدمات المصارف المركزية والتأمينات الاجتماعية ومعاشات التقاعد ، والتي لا
’تقَدمْ على أساس تجاري ، بالإضافة إلى أنها لا تنافس الخدمات التي يقدمها الآخرون
. وتشتمل اتفاقية تجارة الخدمات على (155) قطاعاً فرعياً ضمن (12) قطاعاً رئيساً
كالتالي :
1) خدمات الأعمال ومن ضمنها الخدمات المهنية والعقارية وخدمات التأجـير .
2) خدمات الاتصالات ومن ضمنها الاتصـالات الهاتفية والسمعية والبصـرية .
3) خدمات التشيـيد والخـدمات الهنـدسية المتصلـة بهـا .
4) خدمات التوزيع ومن ضمنها خدمات البيع بالوكالة وتجارة الجملة والتجزئة .
5) الخـدمات التعليمية ومن ضمنها التعلـيم بكافـة مراحله وتعليـم الكبـار .
6) الخدمات البيئـية ومـن ضمنها خدمات الصرف الصحي وتصريف النفايات
والنظافـة الصحيـة .
7) الخدمات المالية ومن ضمنها التأمين والخدمات المصرفية والاستشارات المالية .
8) الخدمات المتصلة بالصحة والخدمات الاجتماعية .
9) خدمات السياحة والخـدمات المتصلـة بالسفـر .
10) الخـدمـات الترفيهـية والثقافـية والرياضـية .
11) خدمات النقل ومن ضمنها خدمات النقل البري والبحري والجوي والفضائي .
12) خدمات أخرى غير واردة في أي قطاع .
ويعتمد مدى فتح قطاعات تجارة الخدمات لبلد ما على سياسته التجارية ، ورغبته في فتح
هذا القطاع للمنافسة الدولية ، كما يعتمد على نتائج المفاوضات التي يجريها مع الدول
الأعضاء في منظمة التجارة العالمية سواء قبل الانضمام إلى عضوية المنظمة أو أثناء
جولات المفاوضات الشاملة المتعاقبة والهادفة إلى تحرير تجارة الخدمات .
وإنطلاقاً من منهج الاقتصاد الحر الذي تتبناه السياسة الحكيمة للمملكة وحرصها
الدائم على الانفتاح على العالم والاستفادة من المعطيات الإيجابية للنظام التجاري
الدولي ، والاستفادة من هذا المحفل الدولي في الدفاع عن مصالحها الحيوية ، والحفاظ
على مركز الثقل للاقتصاد السعودي ، لاسيما وأنها تحتل مرتبة متقدمة بين دول العالم
في ميدان التجارة الدولية، تصديراً واستيراداً ، فإن حصول المملكة على عضـوية هذه
المنظمة ، سوف يعود على اقتصادها بالعديد من الفوائد الإيجابية ، ويضعها أمام جملة
من التحديات ، الأمر الذي يتعين معه تضافر الجهود للوفاء باستحقاقاتها من قبل
القطاعين العام والخاص على حد سواء .
ومن الطبيعي أن يختلف تأثير تطبيق الاتفاقيات المبرمة في إطار منظمة التجارة
العالمية باختلاف الدول والمجموعات الاقتصادية ، من حيث مدى انفتاحها على الأسواق
العالمية ، ودرجة اندماجها في الاقتصاد الدولي ومقومات اقتصادها الوطني ، وتركيبة
صادراتها من السلع والخدمات ، وما تتمتع به من مزايا نسبية طبيعية ، وقـدرات
تنافسية ، لتلبية جانب من الطلب المتنامي على مختلـف أنـواع السلع والخدمات .
الأخـوة الكـرام :
تدل المؤشرات الاقتصادية إلى أن نسبة مساهمة تجارة الخدمات إلى الناتج الإجمالي في
العالم سترتفع من ( 40% ) إلى ( 60% ) خلال العقدين القادميـن ومن ( 70 % ) إلى (
85% ) في الدول الصناعية ومن ( 50% ) إلى ( 70% ) في الدول النامية .


وبالتالي فإن
تحقيق الرؤية المستقبلية في قطاع الخدمات بالمملكـة ورفـع نسبـة مساهمـته في الناتج
المحلي الإجمالي من ( 40% ) إلى ( 70% ) خلال العقدين القادمين يشكل تحدياً حقيقياً
لكافة الخدمات القطاعية الراغبة في زيادة المردود الإقتصادي وتأمين الحد الأدنى
لتهيئة المناخ المناسب والظروف المواتية لإحراز هذا الهدف ومواجهة التحديات التالية
:
التحدي الأول : توطيــن العمـالـة :
تشكـل حركـة الأشخـاص الطبيعييـن وإنتقال العمالة من دولة إلى أخرى
الأسلـوب الأمثـل لتقـديم الخدمات ، لذا تتسم الأنشطة الاقتصادية في قطاع الخدمات
على الصعيديـن المحلي والدولي بإطلاق العنان لهدف تنمية الموارد البشرية على المدى
البعيد حرصاً منها على رفع معدل مشاركة المواطنين في القوى العاملة كعنصر أساسي
وفعال في صيـاغةالمنظور بعيد المدى للتنمية الاقتصادية والاجتماعية . وبناء على ما
تشير إليه التقديرات الإحصائية للنمو السكاني المتـوقعة في المملكة من أن عـدد
السكـان سيزيد بنسبة( 57% ) خـلال العشـرين عامـاً القادمـة ، بينما سيزيد عدد
المواطنين منهم بنسبة ( 89% ) خلال المدة نفسها ليصبح عدد السعودييـن ( 29.7 )
مليون نسمة في عام2020م ، فقد أكدت توصيات هذه الورقة المقدمة في هذا المحفل الهام
على ضرورة تحقيق تنمية نوعية للموارد البشرية وأهمية إيجاد فرص العمل للمواطنين في
مختلف القطاعات الإقتصادية .

وفي ضـوء ما تحمله هذه الزيادة السكانية من مضاميـن مهمـة تتعلق بنمو الطلب على
الخدمات الأساسية في مجالات التعليم والصحة والنقل والإتصالات والبلديات وخدمات
المنافع الحيـوية مـن مياه وكهرباء وصرف صحي تتأكد الحاجة إلى توجيه المـوارد
الاقتصـادية لمقابلة متطلبات الإنفاق على الأصول الثابتة باعتبارها هي أيضاً مطلباً
أساسيـاً لتنمـية الطاقات الإنتاجية والمؤسسية .
وتشير بيانات مصلحة الإحصاءات العامة إلى أن أعـداد العاملين في الأنشطة الاقتصادية
المختلفة لقطاع الخدمات في تزايد مضطـرد منـذ عام 1416هـ حيث بلغت نسبة نموه في
المتـوسط أكثـر من ( 2.5% ) سنوياً ليرتفع عدد العمالة الإجمالي في عام 1420هـ إلى
حـوالي ( 2.7 ) مليون عامل منهم ( 611 ) ألف سعودي و ( 2.1 ) مليون أجنبي . وفي
الوقـت الذي إستحوذ فيه نشاط تجارة الجملة والتجزئة على أكثر من ( 30% ) من مجموع
العمالة بلغت نسبة العاملين غير السعوديين فيه إلى السعوديين ( 3 : 1 ) ، يليه نشاط
التشييد والعقار ( 4 : 1 ) والصناعات التحويلية ( 7 : 1 ) والتعليم والبحوث والصحة
والمطاعم والفنادق ( 3 : 1 ) والنقـل والاتصـالات ( 2 : 1 ) .
بينما تساوت نسبة العاملين السعوديين مع غيرهم في الخدمات المالية وتفوقت نسـبة
السعـودييـن على غيـرهم في أنشطـة الكهـرباء والغاز والمـياه ( 2 : 1 ) وفي البترول
والمعادن ( 3 : 1 ) .



وتؤكد هذه الإحصائيات - بناء على تقديرات العرض والطلب على العمالة في المملكة-على
أن القوى العاملة السعودية ستنمو بمعدل سنوي مقداره (4.7%) في المتـوسط خـلال
العقـدين القادمـين ليصـل عـددهم إلى أكثـر من ( 5 ) مليـون سعـودي في عـام 2020م
مما يشكل تحدياً كبيراً يتمثل في ضـرورة إحـلال العمالـة السعـودية محل الوافدة في
الأنشطة الاقتصادية لقطـاع الخدمـات .
كما تشيـر البيانـات الاحصائية إلى أن مجموع تعويضات العاملين من أجور ورواتب
ومزايا في هذه الأنشطة الاقتصادية وصل إلى ( 94 ) مليـار ريال في عام 1420هـ منها (
61 ) ملياراً مجمـوع تعويضات العمالة الأجنبية .
ولذا فإن إحلال العمالة السعودية وتوطينها محل العمالة الأجنبية يعتبر أحد أهم
تحديات الرؤية المستقبلية للإقتصاد السعودي في قطاع الخدمات ، الذي يعتمد إعتماداً
أساسياً ومباشراً على الأيدي العاملة وحركة الأشخاص الطبيعيين .
التحدي الثاني : تشجيـع الاستثمـار الأجنـبي المباشـر :
تؤكد الحقائق التاريخية أن النمو المتصاعد للتجارة الدولية هو بحد ذاته المحرك
لرئيسي للنمو الاقتصادي العالمي على مدى نصف القرن الماضي . فالدول التي عزلت نفسها
عن المبادلات الدولية تخلفت عن الركب ، في حين تمكنت الدول التي تبنت إستراتيجية
للتكامل في الإطار العالمي من تحقيق نتائج إيجابية . وتؤدي الإستثمارات الأجنبية
المباشرة دوراً هاماً في تعزيز النشاط الإقتصادي الدولي وتبادل المنافع عن طريق
إستخدام القـدرة التنافسية وتنمية الصادرات تحت مظلة الإرتباط القوي بين الميزات
النسبية والكفاءة الإنتاجية . ولقد أكدت المملكة استمرارها – في إطار المنظور بعيد
المدى – على مواصلة الجهود الرامية لتحسين مناخ الإستثمار والاهتمام بتوسيع خدمات
التجهيزات الأساسية وتحسينها فأصدرت نظام الإستثمار الأجنبي الجديد قبل عامين
وتوجته بإنشاء الهيئة العامة للإستثمار لتُسَخِـرْ مفهوم الخدمة الشاملة للمستثمرين
السعوديين والأجانب على حد سواء . وبذلك أكدت على إلتزامها الواضح والمستمر بتعزيز
النشاط الإقتصادي في إطار مبادئ منظمة التجارة العالمية من نفاذ للأسواق وتطبيق
المعاملة الوطنية دون تمييز بين المستثمر المحلي والأجنبي . ويعتبر التواجد التجاري
للمستثمر الأجنبي في أسواق المملكة الأسلوب الآخر المعتمد في إتفاقية الجاتس لتقديم
الخدمات . وتشير الإحصائيات الصادرة عن منظمة الأونكتاد إلى أن تدفق الإستثمارات
الأجنبية إلى المملكة إرتفع بنسبة ( 52% ) في العـام الماضي لتصبـح قيمته حوالي ( 7
) مليار دولار وهو يعادل قيمة الإستثمارات الأجنبية التي تدفقت إلى قارة أفريقيا
بأكملها ونصف الإستثمارات الأجنبية المتدفقة إلى الدول العربية في نفس الفترة .

ولا
شك أن مساعي المملكة الهادفة إلى الانضمام لمنظمة التجارة العالمية ستؤدي إلى تعميق
وتوسيـع الأسـواق الماليـة المحلية مما يساعد على تعبئة المدخرات وتحسين أساليب الإستثمار وإدارة المخاطـر والـذي يؤدي بدوره إلى جذب المزيد من الإستثمارات ورفع
قدرة وكفاءة مقدمي الخدمات المحليين وحمايتهم من المنافسة غير العادلة والأضرار
الناتجة عنها .
وفي ضـوء المعطيـات التنموية للمملكة ضمن المنظور المستقبلي لمسيرتها
الإقتصادية يأتي التحدي الثاني لتحقيق الإستفادة القصوى مما تتمتع به المملكة
من ميزات نسبية في الخدمـات القطاعية كثيفة إستخدام الطاقة إستناداً لما هو
متـاح لديهـا من موارد ضخمة من النفط والغاز لتحقيق التنويع المنشود في
القاعدة الإنتاجية للإقتصاد الوطني وللإسهام في تنمية صادراتها من الخدمات.
التحدي الثالث : تشجيع عمليات التخصيص والإسراع في تنفيذ برامجها :
تعتمد إتفاقية التجـارة في الخدمات على مبدأين أساسين وهما : مبدأ النفاذ للأسواق
الذي يتيح للشـركات الأجنبية العاملة في قطاعات الخدمات المختلفة إمكانية عرض أو
بيع خدماتها داخل المملكة ضمـن ضوابط وقيود متفق عليها . ومبدأ المعاملة الوطنية
الذي يحظـر التمييز في المعاملة بين مقدمي الخدمات المواطنين والأجانب . وسوف يؤدي
ذلك إلى زيادة حدة المنافسة بين الشركات الوطنية والأجنبية مما يحتم علينا وضع
استراتيجية بعيدة المدى لتحسين الأداء الإقتصادي للشركات الوطنية في مختلف القطاعات
الخدمية لرفع كفاءتها وزيادة قدرتها التنافسية لمواجهة التحديات والمنافسة المحلية
والاقليمية والدولية ، خاصة في ضوء النتائج المترتبة على إنضمام المملكة لمنظمة
التجارة العالمية .
ومن هذا المنطلق تم إعداد خطة استراتيجية للتخصيص تنفيذاً لقرار مجلس الوزراء في
عـام 1418هـ ، تهدف إلى رفع كفاءة الاقتصاد الوطني وزيادة الفـرص الوطنية
الاستثـمارية للقطاع الخاص وترشـيد الإنفاق العام وتخفيض أعباء ميزانية الدولة
واعتمـاد أسالـيب التشغيل الأمثل للمرافق الخدمية .
وفي إطـار هـذه الأهـداف إعتمدت المملكة منهجية التخطيط الإستراتيجي للتخصيص على
المدى البعيد بالإستناد إلى الدراسات والتحاليل المستقبلية التي تمت بمشاركات محلية
ودولية ساهـم فيها القطاع الخاص وهدفت إلى وضع سلسلة من التصورات حول مسارات النمـو
المتاحة في ظل النظرة المستقبلية الشاملة على صعيد الإقتصاد الكلي والقطاعـي .
وقـد يكـون من المناسـب في هـذا المحفل الهام إلقاء الضوء على البيانات الصادرة عن
مصلحة الإحصاءات العامـة حول تطور الإيرادات في مختلف الأنشطة الإقتصادية لقطاع
الخدمات ومقارنتهـا بالنفقات خلال نفس الفترة .



إذ تشير هذه البيانات إلى التطور الكبير في نفقات وإيـرادات قطاع خـدمات الإتصالات
والنقل والتعليم والصحة والتوزيع وخدمات المنافـع من كهـرباء ومياه وصرف صحي عبر
السنوات الخمس الماضـية لتـؤكد على استمرار الإقتصاد السعودي في تحقيق معدلات نمو
إيجابية في الناتج المحلي الإجمالي – على الرغم من التحديات المصاحبة لتقلبات أسعار
النفط العالمية – قد يصل إلى ( 4.15% ) في خلال العقدين القادمين ، مما يتطلب :
1) تعبئة المدخرات الخاصة وتوجيهها لتمويل المشـروعات العامة والتي تعاني من مشكلات
تمويلية .
2) التـوسـع فـي منـح القطـاع الخـاص عقـود الإدارة والتشغيـل للمشروعـات العامـة .
3) توسيـع نطـاق مشاركـة المواطنين في الأصول المنتجة ونقل ملكية المشـروعات
الخدمية من القطـاع الحكومي إلى القطاع الخاص لتدار على أسـس تجاريـة .
4) توفير الحوافز وتطوير سوق الأوراق المالية .
5) تعـزيز قـدرة الإتصـالات والمعلـوماتية وتشجيع البحث والتطوير
وتوطيـن التقنـية .
الأخـوة الكـرام :
إن تحرير قطاع الخدمات سوف يشكل تحدياً حقيقياً للدول النامية بسبب حدة المنافسة ،
إذ تؤكد مجريات الأمور أن العالم يسير بخطى متسارعة في إتجاه تدويل هذا القطاع .
ومع ذلك فإن هذه التحديات لا ينبغي أن تقلل من أهمية المردود الإيجابي لتحرير هذا
القطاع والمتمثل في :
1) رفع كفاءة أداء قطاع الخدمات بفروعه المتعددة وخفض تكاليف الإنتاج لصالح
المستهلك .
2) تيسير الحصول على خدمات جديدة ومتميزة بين أطراف متباعدة من خلال وسائل الاتصال
المتطورة كالخدمات العلاجية وخدمات التعليم والتدريب والخدمات الهندسية وخدمات
البحث والتطوير .
3) تهيئة المناخ والظروف المواتية لجذب التدفقات الاستثمارية المصحوبة بالتقنيات
والمعرفة المتقدمة .
4) زيادة فرص العمل لذوي المؤهلات العالية والمهارات الفنية في حقول الخدمات
المختلفة .
5) تنظيم العلاقة بين الدول الأعضاء المتعاملين في حقول الخدمات وفق قواعد مدونة
السلوك المتفق عليها .
وفي ضوء ما تقدم فإن من أبرز الأمور التي يتعين على القائمين على رعاية وتطوير قطاع
الخدمات هو الحرص على التفاعل مع المعطيات الإيجابية للعولمة وتوظيفها في دعم
مقومات هذا القطاع وتعزيز قدرته على مواجهة المنافسة الحادة والتعامل مع
استحقاقاتها بجدية ووعي . ولعـل من أهم الخطوات التي يمكن اتخاذها ما يلي :
1) الحـرص على تحقيق أفضل مردود ممكن عن طـريق تطوير الخدمات القطاعية وتطبيقاتها
العملية ، دون المساس بثوابت وقيم مجتمعنا وأصالـة تراثـه .
2) إعداد وتأهيل الكوادر المتخصصة في مختلف حقول الخدمات والحرص على بناء القدرات
الوطنية الذاتية من خلال التعاون مع مراكز البحث والتطوير المتقدمة والدخول في
شراكة حقيقية معها .
3) المبادرة إلى اتخاذ الخطوات العملية للإسهام في تطوير الأنظمة والقوانين ذات
الصلة بقطاع الخدمات عامة ووضع مدونه لضوابط وسلوكيات ممارسة الخدمات لتكون منسجمة
مع القواعد المهنية الدولية المستقرة .
4) العمل على تطوير قدرات المختصين والجمعيات المهنية والاكاديمية لتكون بمثابة
بيوت للخبرة ، تسهم في إعداد الكوادر المؤهلة وتقديم المشورة والدعم الفني لتعزيز
قدرتها على الارتقاء بخدماتها والالتزام بمعايير الجودة ، لتعينها على الصمود في
وجه رياح المنافسة القادمة .
الأخـوة الكـرام :
إن المضي في مواجهة هذه التحديات هو بحد ذاته هدفاً طموحاً لتعزيز الرؤية
المستقبلية للإقتصاد السعودي في قطاع الخدمات ، واختياراً إستراتيجياً تتبناه
المملكة لتحقيق أهداف التنمية في كافة قطاعاتها الخدمية والإنتاجية ، وفرضاً من
فروض الولاء لهذا الوطن الغالي نعتز به ونتشرف بالمساهمة في تحقيقه .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،،